أحمد ياسوف

108

دراسات فنيه في القرآن الكريم

وكان من مظاهر الولع بالأدب أن يقسموا بلاغة القرآن بحسب ما يجدون في الشعر وفنون البلاغة ، فالقسم السابع والثلاثون من « الفوائد » بعنوان : « الهزل الذي يراد به الجدّ » جعل ابن قيم الجوزية - وهو الفقيه المعروف - منه قوله تعالى : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [ المطفّفين : 34 ] ، ويشرح هذا التبكيت الإلهي وتحقير الكفار وفوز المؤمنين ، برواية ساذجة إذ يقول : « يروى أنهم كانوا يحاولون أن يدخلوا باب الجنة ، فيغلق دونهم ، فيضحك منهم المؤمنون » « 1 » . فهذا التشفي من باب السّذاجة ، ويزيد وضع العنوان « الهزل الذي يراد به الجد » سوءا على سوء ، وهذا وهم ناشئ عن شدة المتكلف في البحث أو الغيرة على القرآن الكريم وخشية أن يتصور أحدهم أن البيان القرآني انتفى من أحد فنون البلاغة أو الأغراض الشعرية ، فالآية خالية من الهزل ، بل هي في غاية الجد ، لأنها تصور واقع يوم الآخرة الذي يقابل واقع الدنيا ، ويمكن أن نحتج هنا بقوله عز وجل : إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ( 13 ) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ [ الطارق : 13 - 14 ] . وكان كلما أورد آية فيها فن بلاغي يهتم مباشرة بقول مماثل من الشعر ، كأن يقول : « ومن هذا النوع في أشعار العرب والمخضرمين والمتأخرين كثير لا يحصى » « 2 » . إنه يريد جمال الطرافة في المعاني ، وكأن القرآن الكريم يناظر الشعراء فيما هو طريف من المعاني ، وليست معانيه في الأصل تشريعا سماويا ، وليس لكل من بلاغي سخيفا كان أو رفيعا أصل قرآني .

--> ( 1 ) الفوائد ، ابن قيم الجوزية ، ص 162 . ( 2 ) الفوائد ، ص / 212 .